صلاة كاهن لمريم: “ماذا أقول لكِ يا أمّي؟”

بقلم الأب جورج بريدي المرسل اللبناني الماروني

 

ماذا أقول لكِ يا أمّي؟

ماذا أقول لكِ يا من وقفت حارسةً لخطوات طفولتي، وسهرت في ليالي شبابي، وها هي ترافقني في دروب تكرّسي؟

ماذا أقول لكِ يا من حرّمت على جسدي التدنّس من وساخة الليالي، ومنعت نفسي من الغرق في تلاطم صخب الحياة، وتغدق على روحي نِعَماً لا تُحصى من جمال السّماء؟

ماذا أقول لكِ يا من تسمع قلبي الصغير حين يناديها، وتغمر دمع عيني حين تمسح رداءها، وتقبّل خدّي حين يُلطم من جروحات الأيّام؟

ماذا أقول لكِ يا جمالي الوحيد، ويا سارقة نظري كلّ مرّة قرّرت عيني أن تحيد، ويا سعادتي التي فاقت كلّ مغريات الحياة؟

ماذا أقول لكِ…؟

كيف لي أن أنسى لبرهة ثوانٍ كيف حملتِني بعد الوقوع، كيف لي أن أعود فأخونك بعد ليالي الوفاء، كيف لي أن أنظر لسواكِ بعدما سكرت عيناي في تأمّل وجهِك، كيف لي أن أعود طفل هذا العالم بعدما جعلتِني رجلاً في حكمة السّماء؟

اليوم، دعاني ابنكِ خادماً لمائدته المقدّسة، فكيف لي أن أخدمكِ يا أمّي؟ يا أمّ الكهنة والشباب، كم أرغب في رؤية ابتسامتكِ فهي حلم حياتي وهدفي الأكيد، وكم أرغب أن أمسح دموعكِ كلّ مرّةٍ أعرف أنّها ذُرِفَت عن خطايا وشتائم الشباب. رغبتي اليوم أن أحارب من أجلِكِ ظلمات الشرّ ومكايد عدوّ السّماء، في عالم الجنس والادمان، عالم السّكر وسهر اللّيالي، عالم القتل والاجرام، عالم الحقد والكذب والاستغلال، عالم القمار وحبّ المال، عالم الحرب وتشرّد الانسان، عالم الشتائم بحقّ اللّه والكنيسة والانسان، عالم العلم المزيّف وفساد العقل، عالم الاباحيّة وفساد طهارة الأجساد، عالم يلغي اللّه منه ليضحي في ظلام النسيان… معكِ يا مريم، أحارب وأرفع الصوت عالياً وأنادي هلمّوا إلى حديقة أمّي، هلمّوا إلى قلبها الحنون، هلمّوا فلا نعود ننظر إلى الوراء بل نبني معها طريق السّماء…

كيف لي يا أمّي أن أداوي جروحات قلبكِ من خطاياي الكثيرة، فكم أنا ضعيفٌ وقليل الوفاء؟

ماذا أقول لكِ…؟

أيقظيني يا أمّي، هل أنا في حلم، أم أنّ حلم شبابي قد حقَّقتِهِ؟ من أكون سوى ذاك الشاب العادي، المتخبّط في ليالي الحياة وخطاياها، قد اختاره ابنكِ ليكون خادماً في بيته؟ ماذا ترغبين منّي يا أمّي وأنا غنيٌّ فقط بنظرة منكِ؟ 

اليوم سأفرح معكِ يا أمّي كما لم أفرح معكِ في حياتي… اليوم سأفرح معكِ في المكان الأكثر حبّاً على قلبكِ الطّاهر… سأفرح وأصلّي معكِ كاهناً على مذبح الرّب…

ساعديني يا مريم ليكون لقائي معكِ فرصة لأجدّد حبّي لكِ، وتقدمة ذاتي بين يديكِ، وخدمة كهنوتي لنوايا قلبكِ… أعطيني يا مريم عينين لا تنظران إلا إلى يسوع وإليكِ…

أمّي ثمّ أمّي حتّى آخر يومٍ في عمري، أريد أن أحيا تحت ظلّ عينيكِ، وأن أموت يوماً بين ذراعيكِ… أريد أن يرافق وجهكِ وجوه أحبّائي وأن أجعلكِ سيّدة جسدي وكياني وكهنوتي…

اليوم، أريد أن ألبسكِ في ذاتي وأجدّد عهدي معكِ، أنا ابنكِ فلا أخاف ما دمتُ أنا معكِ، وما دمتُ وفيّاً لعهودي معكِ، وما دام قلبي لا ينبض لسواكِ حبّاً…

ماذا أقول لكِ يا أمّي؟

أحبّكِ حتّى آخر نفسٍ فيِّ…

أنحني عند رجليكِ، فأنتِ ملكتي ولا أريد سيّدة لحياتي غيركِ…

كلّي لكِ يا أمّي… شكراً لكِ…



Current track

Title

Artist

قم بتنزيل التطبيق لهاتف Android أو Apple